مقالات عشوائية

هل تم رصد المادة المظلمة أخيرًا؟ دراسة جديدة تكشف إشارات مثيرة

مشهد كوني يُظهر مجرة درب التبانة مع توهج غامض لأشعة غاما في مركزها، محاط بجسيمات المادة المظلمة المتداخلة وسط حقل نجمي ساحر

علماء يرصدون إشعاعًا قد يكون البصمة الأولى للمادة المظلمة في الكون

في تطور علمي مثير قد يغيّر فهمنا للكون، أعلن فريق من الباحثين في جامعة جونز هوبكنز عن رصد محتمل لأول دليل ملموس على وجود المادة المظلمة، تلك المادة الغامضة التي تشكّل نحو 25% من كتلة الكون، والتي استعصت على الرصد المباشر لعقود طويلة.

ورغم أن المادة المظلمة لا تصدر طاقة أو ضوء يمكن التقاطه بواسطة التلسكوبات التقليدية، فإن العلماء يعتقدون أن تصادم جسيماتها يولّد إشعاعًا من أشعة غاما، وهو ما قد يفسّر التوهج الغامض الذي تم رصده في مركز مجرتنا.

هذا التوهج، الذي حيّر العلماء منذ سنوات، قد يكون بمثابة البصمة الأولى للمادة المظلمة، وفقًا لما توصلت إليه الدراسة الأخيرة.

ويشير الباحثون إلى أن هذا التوهج لا يمكن تفسيره بالكامل من خلال مصادر معروفة مثل النجوم النيوترونية أو النجوم النابضة، مما يعزز فرضية أن المادة المظلمة هي مصدره الأساسي.

وإذا ثبتت صحة هذه الفرضية، فإنها ستكون أول إثبات علمي مباشر على وجود هذه المادة التي تلعب دورًا محوريًا في تشكيل الكون وتماسكه.

وفي تعليق له على نتائج الدراسة، قال البروفيسور جوزيف سيلك، أحد المشاركين في البحث: "المادة المظلمة تهيمن على الكون وتُبقي المجرات متماسكة.

إنها ذات أهمية بالغة، ونحن نبحث باستمرار عن طرق جديدة لرصدها.

أشعة غاما، وتحديدًا الضوء الزائد الذي نرصده في مركز المجرة، قد يكون أول خيط يقودنا إلى كشفها".

Scientists say that a glow of gamma ray radiation from the Milky Way could be evidence that dark matter exists. In a new paper, researchers argue that this glow is produced by colliding particles of dark matter  

في سياق الجهود المستمرة لفهم طبيعة الكون، يسلّط العلماء الضوء مجددًا على المادة المظلمة، وهي نوع غامض من الجسيمات يُعتقد أنها تشكّل جزءًا كبيرًا من الكتلة الإضافية "المفقودة" في معظم المجرات.

ورغم أن تأثيراتها الجاذبية واضحة ويمكن قياسها، فإن هذه المادة لا تصدر أي طاقة يمكن للتلسكوبات التقليدية التقاطها، ما يجعل رصدها المباشر أمرًا بالغ الصعوبة.

منذ عام 2008، يعمل القمر الصناعي "فيرمي" التابع لوكالة ناسا على رسم صورة دقيقة لمجرة درب التبانة باستخدام أشعة غاما.

وخلال تحليل هذه الصورة، لاحظ العلماء ظاهرة غير مألوفة أثارت اهتمامهم: توهج منتشر من إشعاع غاما يملأ مركز المجرة، دون أن يكون له مصدر محدد يمكن تعيينه.

ولفهم هذه الظاهرة، طرح الباحثون فرضيتين متنافستين لتفسير التوهج الغامض.

الأولى تشير إلى أن هذا الإشعاع قد يكون ناتجًا عن النوى الدوارة للنجوم المحتضرة، بينما تقترح الثانية أن السبب يعود إلى تصادم جسيمات المادة المظلمة.

ومع ذلك، فإن تحديد الفرضية الأكثر دقة لا يزال يمثل تحديًا كبيرًا أمام العلماء، في ظل تعقيد البيانات وصعوبة التمييز بين الإشارات الناتجة عن كل من المصدرين المحتملين.

توهج غامض لأشعة غاما ينبعث من مركز مجرة درب التبانة، يُعتقد أنه ناتج عن تصادم جسيمات المادة المظلمة
Researchers believe the mysterious gamma–ray glow coming from inside our very own galaxy could reveal exactly where dark matter is hiding


ماهي المادة المظلمة ؟

في إطار المساعي العلمية لفهم مكونات الكون الخفية، يواصل العلماء تسليط الضوء على المادة المظلمة، وهي نوع غير مرئي من الجسيمات يُعتقد أنه يفوق المادة المرئية بنسبة تقارب ستة إلى واحد، ويشكّل نحو 27% من كتلة الكون الكلية.

وعلى خلاف المادة العادية، لا تتفاعل المادة المظلمة مع القوة الكهرومغناطيسية، ما يعني أنها لا تمتص الضوء ولا تعكسه أو تبعثه، الأمر الذي يجعل رصدها بواسطة التلسكوبات التقليدية شبه مستحيل.

ورغم هذا الغموض، تمكّن الباحثون من الاستدلال على وجود المادة المظلمة من خلال تأثيرها الجاذبي على المادة المرئية، وهو ما دفعهم إلى تطوير نماذج حسابية متقدمة لمحاولة تحديد مواقعها داخل مجرتنا.

وفي دراسة نُشرت في مجلة "فيزيكال ريفيو ليترز"، استخدم فريق من العلماء حواسيب فائقة القدرة لرسم خريطة نظرية توضح الأماكن التي يُفترض أن توجد فيها المادة المظلمة داخل مجرة درب التبانة.

ما ميّز هذه الدراسة عن سابقاتها هو أن الباحثين أخذوا في الاعتبار كيفية نشوء المجرة نفسها.

ووفقًا للبروفيسور جوزيف سيلك، فإن مجرتنا تشكّلت من سحابة ضخمة من المادة المظلمة، حيث بدأت المادة العادية بالتبريد والانهيار نحو المناطق المركزية، جاذبة معها جزءًا من المادة المظلمة.

ومع مرور مليارات السنين، انجذبت المادة المظلمة القادمة من أنظمة أخرى نحو النواة الكثيفة للمجرة، ما أدى إلى زيادة عدد التصادمات بين جسيماتها.

وعندما قارن البروفيسور سيلك نتائج هذه المحاكاة مع الصور الحقيقية التي التقطها القمر الصناعي "فيرمي" التابع لوكالة ناسا، وجد أن التوقعات النظرية تتطابق مع البيانات الفعلية، ما يعزز احتمال أن التوهج الغامض لأشعة غاما في مركز المجرة قد يكون ناتجًا عن المادة المظلمة.

ورغم أن هذه النتائج لا تمثل بعد دليلاً قاطعًا على وجود المادة المظلمة، فإنها تفتح الباب أمام احتمال مثير بأن هذا الإشعاع هو بالفعل بصمتها الكونية.

وفي تصريح لصحيفة "ديلي ميل"، قال البروفيسور سيلك إن النتيجة الأهم التي توصلوا إليها هي أن فرضية المادة المظلمة تتوافق مع بيانات أشعة غاما بنفس درجة توافق فرضية النجوم النيوترونية، ما يمنحها وزنًا علميًا متزايدًا في تفسير هذه الظاهرة.

صورة توضيحية لمحاكاة علمية تُظهر مواقع محتملة للمادة المظلمة في المجرة وتطابقها مع نمط إشعاع أشعة غاما المكتشف فعليًا
Researchers believe the mysterious gamma–ray glow coming from inside our very own galaxy could reveal exactly where dark matter is hiding


في تطور جديد ضمن مساعي العلماء لفك لغز المادة المظلمة، أعلن البروفيسور جوزيف سيلك أن احتمالية رصد هذه المادة بشكل غير مباشر قد ارتفعت، وذلك في ضوء النتائج الأخيرة التي تشير إلى أن التوهج الغامض لأشعة غاما في مركز مجرة درب التبانة قد يكون ناتجًا عن تصادم جسيمات المادة المظلمة.

ورغم هذا التقدم، لا تزال هناك فرضية قائمة بأن هذا الإشعاع قد يكون ناجمًا عن النجوم النيوترونية الدوارة، ما يجعل الحسم العلمي في هذا الشأن أمرًا معقدًا.

ويعقد العلماء آمالًا كبيرة على التلسكوب الجديد "تشيرينكوف"، الذي يُخطط لإنشائه في تشيلي، ليكون أقوى تلسكوب لأشعة غاما في العالم.

ومن المتوقع أن يمتلك هذا التلسكوب قدرة فائقة على التمييز بين الإشعاعات الناتجة عن المادة المظلمة وتلك الصادرة عن النجوم النيوترونية، بفضل حساسيته العالية التي تتيح له التقاط الفروقات الدقيقة بين النوعين.

كما يطمح الباحثون إلى استخدام هذا التلسكوب لمسح المجرات القزمة القريبة، والتي يُعتقد أنها تتكوّن في معظمها من المادة المظلمة.

وفي حال رُصد نفس الإشعاع الذي اكتشفه القمر الصناعي "فيرمي" في مركز مجرتنا داخل تلك المجرات، فإن ذلك سيعزز بشكل كبير فرضية أن المادة المظلمة هي مصدر هذا التوهج، وفقًا لما أكده البروفيسور سيلك، الذي وصف هذا الاحتمال بأنه يمثل "أمله الكبير" في حسم الجدل العلمي القائم.

Source: CERN 
تعليقات